السيد محمد باقر الشفتي الجيلاني
370
الإمامة
منها : ان الذين يقرءون القرآن وهذه السورة في الصلاة وغيرها المؤمنون والمسلمون المهتدون ، فما معنى طلب الهداية من اللّه تعالى بعد ذلك ، وهي حاصلة لهم ؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة ذكرها الامام في تفسيره . حيث قال : والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الأول : ما ذكره من أن المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضات اللّه تعالى ، يحكى أن نوحا عليه السّلام كان يضرب في كل قوم كذا مرات بحيث يغشى عليه ، وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . فان قيل : ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما قال ذلك الا مرة واحدة ، وهو كان يقول كل يوم مرة « 1 » ، فلزم أن يقول : ان نوحا كان أفضل منه عليهما الصلاة والسّلام . والجواب : لما كان المراد من قوله « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » طلب تلك الفضيلة من اللّه تعالى ، والرسول صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ فاتحة الكتاب في كل يوم كذا مرة كان يكلم الرسول بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السّلام بها . أقول : حاصل هذا الجواب طلب قوة التحمل على المشاق لأجل مرضات اللّه ، وجوابه عن السؤال انما يصح لو كان مراد الرسول صلّى اللّه عليه وآله من الضمير في اهدنا قومه وأمته ، أو ما يعمهم ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى . الثاني : ان أكثر العلماء بينوا أن في كل خلق من الاخلاق طرفي افراط وتفريط ، وهما مذمومان ، والحق هو الوسط ، ويتأكد ذلك بقوله تعالى « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » « 2 » وذلك الوسط هو العدل والصواب ، والمؤمن بعد أن عرف اللّه تعالى بالدليل صار مؤمنا مهتديا .
--> ( 1 ) في المصدر : مرات . ( 2 ) سورة البقرة : 143 .